قصة قصيرة
مصابيح الضباب
مع إطلالة أولى بواكير أشعة الشمس من كل يوم يجتمع جنائنيو المدينة؛ ليتبادلوا أطراف الحديث عن زوار حدائقهم وخاصة زوار المساء، حين يتخذ كل منهم موقعاً محدداً له خارج دائرة المعرفة من قبل الزوار، فيصبح جسداً جامداً على هامش الحياة البشرية، يسرق النظر والسمع لمايفعلونه ويتحدثون به زوار المساء، وخاصة زوار الأماكن الظليلية الوارفة الأشجار، حيث تكون أنوار المصابيح قد تكسرت وتناثرت على أوراق الأشجار النائمة، ولأن للجنائني أبو حسن عينين متلصصتين كمصابيح الضباب، وسمعاً حاداً، فقد ساعده ذلك على كشف أسرار الطبيعة البشرية بحلوها ومرّها، مما أكسبه معرفة مميزة بمكنونات النفس البشرية.
ثلاثة أيام مضت ولا أحد من جمع الجنائنيين يعرف سر غياب أبي حسن عن مجلسهم، ومع ذلك كان كل منهم فرحاً في ذاته لكسبه متسعاً من الوقت، يسرد فيه مايعرفه عن زواره دون أن يقاطعه أو يحرجه أحد الجالسين مهما أضاف من أحاديث أو صور من بنات أفكاره وخياله.
وفي صباح آخر أيام الأسبوع، وهم مجتمعون كالعادة، أطل عليهم فجأة أبو حسن بقامته الطويلة وجسمه النحيل وبشرته السمراء اللامعة وعيونه الجاحظة، فحيّاهم وجلس القرفصاء، وتناول لفافة من التبغ وأشعلها دون أن ينتظر ردّهم على تحيته إذ كانوا مذهولين من ظهوره المفاجئ.
بعد لحظات .. ردوا عليه جميعاً بصوت واحد: صباح الخير يا أبا حسن وسأله أحدهم:
طال غيابك ... عسى أن يكون المانع خيراً ؟
أبو حسن : خير إن شاء الله.
وقال آخر: السعادة بادية على محياك يا أبا حسن.
أبو حسن: نعم، لأن الإنسان عندما يقوم بتنفيذ واجب وطني، ويفلح به تغمره السعادة، ويزداد افتخاراً بنفسه، وهذا ماحصل معي في الأيام الماضية.
أبو شفيق: أسمعنا، وقل لنا ماحصل معك يا أميرنا وسيدنا أبا حسن، كي نروي عطشنا من بئر خبرتك وتجاربك الشائقة.
أبو حسن: كل الناس خير وبركة، ولكن ماسأرويه لكم عما حدث معي، قد علمني أن قيمة الإنسان وسر سعادته تكمنان بقدر تفاعله مع محيطه الاجتماعي والإنساني، ومع الأحداث الجارية في مجتمعه والمؤثرات الفاعلة فيه، ومن واجب كل فرد ألا يعيش على هامش الحياة، وألا يكون دوماً ناقلاً للأحداث فقط، وأن يدرك كل منا مهما صغر حجمه أو قل مقامه أو شحّ ماله بأن له دوراً معيناً ومفيداً، سيجده حتماً إن بحث عنه بصدق وأمانة، أياً كان موقعه، وفي أي دائرة اجتماعية ينتمي إليها داخل وطنه وأمته أو أي تجمع ينتمي إليه، وحين يجد دوره ومكانه المناسب سيصل إلى جوهر السعادة الكامنة في ذاته.
أبو نضال: لقد شوقتنا يا أبا حسن، تفضل واروِ لنا ماعندك.
بعد صمت دام لحظات، شرد أبو حسن في سراديب ذاكرته وبدأ كلامه يتدفق من بين شفاهه دون تلكؤ أو انقطاع وقال:
- في ليلة آخر صباح التقينا به هنا وعلى مدار ساعات عملي في الحديقة بذلت يومها جهداً كبيراً في ترتيب وتنظيف الحديقة، ومتابعة مراقبة الأطفال ومنعهم من العبث بأزهار الحديقة وأغصان شجيراتها الغضة، وتوجيههم لوضع فضلات طعامهم في الأماكن المحددة، وكم كان يؤلمني إهمال ذويهم لهم، وعدم مراقبتهم وإرشادهم على كيفية التعامل مع الطبيعة والاستمتاع بجمالها، والانشغال فقط في حوارات عقيمة عن العادات والتقاليد وقلة التدبير وإنهاء الموقف فيمابينهم بتبادل التهم والصراخ على الأولاد وتهديدهم.
في تلك الليلة بالذات وبعد صلاة العشاء، توجهت إلى مكاني المفضل للاستراحة، وغفوت مع أحلامي لفترة من الزمن لم أدرك مداها، وصحوت على نسيمات هواء عليل تداعب خصلات شعري، وكان ضوء القمر يسرح على جبهة السماء ويتفقد نجومها، وفجأة سمعت نهايات أطراف حديث يدور بين اثنين جالسين على مقربة مني وفي الاتجاه المناسب لحركة الهواء الزائر لمسامعي.
في بادئ الأمر لم أكترث لحديثهما خوفاً من ضياع متعتي بالهدوء والسكينة، إلى أن سمعت أحدهما يقول: ياخالد، رجوتك أن تأتي من الغربة لنتعاون على إقناع والدنا وهدايته لطريق الصواب ليتخلى عن أحلام شبابه وآماله في الاشتراكية والحرية الشخصية والديمقراطية، وأن يفرض الحجاب على زوجته وبناته؛ لأن موقفي قد أصبح حرجاً أمام أفراد عائلتي وأهل زوجتي وأخواننا في الجهاد، فدعنا نتحاور معه عساه يهتدي ويتعاون معنا، وخاصة في الآونة الأخيرة قد تردد لمسامعي بأن أختنا مريم مغرمة بأحد الكفّار، ويعمل معها في البنك.
رد خالد: ماهذا الذي أسمعه؟ أختنا تعمل في مكان مدنس وتتعامل مع الكفرة، إذن قتلها وقتل والدها الكافر حلال أيضاً.
أجابه الآخر: هذا صعب جداً ولايرضي الله، فمن الأفضل أن نحاورهم ونقنعهم .
قال خالد: لاينفع الحوار مع أمثالهم يايوسف، بل يجب جزّ رقابهم تطبيقاً للشريعة وأولهم ذلك الفاسق عشيق أختك الذي دنّس شرف العائلة، وتعدى على تعاليم ديننا ومعتقداتنا.
وهنا عرفت أن اسم الرجل الآخر يوسف. وأجابه بالقول:
- يارجل .. هل لديك الجرأة على فعل ذلك؟
قال خالد: الجهاد يتطلب ذلك، والآن قل لي فقط اسم هذا الكافر وعنوانه، وأنا بنفسي سأتولى أمره، وأغادر فوراً خارج القطر، وسأبلغ الأخوان ليتصرفوا مع والدك وأختك في الوقت المناسب وعلى طريقتهم، ولتعلم يايوسف بأن سادتنا راضون عنك ومقدرون جهودك في تجنيد مجاهدين كثيرين في الآونة الأخيرة، وقد أرسلوا لك مبلغاً من المال لتتدبر أمور معيشتك بكرامة، ولاتنسَ دفع الزكاة المستحقة عليك حسب الشرع، وسأترك لك مبلغاً آخر لتوزعه على أخواننا المجاهدين حسب معرفتك.
يوسف: بلغهم تحياتي وتحيات كل الأخوان.
خالد: المهم الآن أن تصغي جيداً لما سأقوله لك لتنفذوا المطلوب منكم خلال الشهر القادم وبإشرافك شخصياً، وأن توزع المهام بدقة على الأخوان المجاهدين.
يوسف: الشهر القادم هو شهر رمضان المبارك.
خالد: نعم وليبارك الله جهادنا في هذا الشهر الكريم.
يوسف: وماهي الخطة؟
خالد: في اليوم المحدد وأثناء صلاة التراويح وبالتعاون مع بعض المؤمنات المجاهدات يجب خلق بلبلة في جناح الحريم التابع لجامع التوبة، أثناء قيام بعض الأخوان برمي قنابل دخانية ومسيلة للدموع على جموع المصلين، ومجموعة أخرى تحاول صدّ المصلين من الخروج لدقائق فقط، لأن خروج المصلين بعد التزاحم والتصادم إلى الشارع يجعل الخوف يتملكهم، حينها يمكن قيادتهم كما نشاء وحسب الضرورة، وفي لحظة خروجهم تكون مجموعة انتحارية من المؤمنين قد داهمت مبنى دينياً لإحدى الطوائف ومركزاً حكومياً قريباً من الجامع، وإن كُشف أحدهم يجب أن يفجر نفسه فوراً، أما أنت فيجب أن تكون في مكتب الأمانة للاستيراد والتصدير المطل على موقع الحدث بشكل جيد لتعطي الأوامر من بعيد، وخذ هذه الحقيبة المحتوية على أجهزة اتصال متطورة، وسيكون إعلامنا جاهزاً في موقع الحدث لنقل الوقائع وبثها فوراً لخدمة قضيتنا الجهادية.
يوسف : علم. وبلغ أسيادنا الكرام بأن يطمئنوا.
خالد: والآن قل لي اسم وعنوان عشيق أختك لأتصرف معه بمعرفتي.
يوسف: اسمه .. عنوان سكنه .. عنوان المزرعة ... البنك .... مواقيت الدوام ...
خالد: والداه مسافران منذ فترة إلى فرنسا، وهو يذهب يومياً إلى المزرعة في حوالي الساعة السابعة مساء ليسهر مع أصدقائه حتى وقت متأخر من الليل.
خالد: حسناً .. الوداع.
يوسف: إلى أين أنت ذاهب الآن؟
خالد: لاتشغل بالك بهذا الأمر، فكل شيء مرتب، وإياك أن تغادر مكانك إلا بعد عشر دقائق من مغادرتي.
ويتابع أبو حسن ويقول: وبالفعل غاب خالد وترك يوسف وحيداً جالساً في مكانه وبحوزته المال وحقيبة الأجهزة لمدة ربع ساعة وغادر بعدها.
وصمت أبو حسن .. ثم تناول كوباً من الشاي ورشف منه عدة رشفات متتالية، ثم أشعل لفافة من التبغ ونظر إلى وجوههم ليقرأ انفعالاتهم.
فبادره أبو خليل بالقول : وماذا حصل فيمابعد؟ وهل هذا كل شيء؟ وهل أنت متأكد مما سمعت؟
أبو حسن: انتظر قليلاً لأكمل حديثي.
أبو شفيق: من فضلك يا أبا حسن أكمل حديثك.
أبو حسن: ما إن غادر يوسف المكان حتى لحقت به لأعرف من هو وأين يقيم، ولكن للأسف لم أستطع اللحاق به؛ لأنه شاب وخطواته كانت سريعة، وما إن خرج من باب الحديقة حتى استقل سيارة أجرة وغاب عن الأنظار، فتوجهت بسرعة إلى الجهة الأمنية المختصة، وكنت تحت تصرفهم طوال الأيام الماضية.
أبو خليل: وماذا حصل؟
أبو حسن: في مساء اليوم التالي، داهم رجال الأمن مزرعة فادي صديق مريم بتهمة تفتيش المزرعة، وكان هدفهم الإبقاء على بعض عناصر الأمن داخل المزرعة دون معرفة أحد وذلك قبل وصول فادي إلى المزرعة، ولكن المفاجأة كانت كالصاعقة على رجال الأمن.
أبو خليل: لماذا؟
أبو حسن: ما إن بدأ رجال الأمن بتفتيش المزرعة حتى هرب الشخص الذي فتح لهم الباب، ليتم القبض عليه من قبل عناصر الأمن الذين كانوا موزعين خلف السور وعلى الطريق العام، في حين تم العثور على حارس المزرعة مقتولاً إذ كانت جثته مرمية في غرفة جانبية مخصصة لأجهزة التدفئة المركزية، أما الشخص الذي تم القبض عليه فقد كان خالد واعترف بقتله حارس المزرعة، ولاحقاً تم القبض على جميع أفراد العصابة وفي مقدمتهم يوسف.
أبو شفيق: خيراً مافعلت يا أبا حسن.
وبدأ كل واحد منهم يرشف ماتبقى من الشاي في كأسه ويغادر المكان، ليبقى أبو حسن وحيداً دون أن يدرك غيابهم. عيناه مغرورقتان بدموع الفرح والافتخار، غارق هو في بحر ذكريات طفولته وطرقات وأزقة مدينته التي ركض ولعب على صفحات مروجها، وتعايش معها وارتمى في أحضانها، وتنقل على مدارات حواف أطيافها، ورقص مع حركات أمواج هوائها، وغاص في مفاتن معالمها. ومن بعيد راح يرمق قلعتها الصامدة، ليردد قائلاً: حقاً إنها مدينة حلب الشهباء. ومسح دموعه ليغادر في جولة متفقداً أحوال حديقته بكل حب وشغف.
أيلول... 2009...حلب
جوزيف شماس
اللوحة للفنل عبد المحسن خاجي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق