أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 20 أبريل 2016

** ... الخَمْسُمائـة .. الأحْـلى ...** بقلم / الشاعر المبدع محمد الجلواح

الخَمْسُمائـة .. الأحْـلى
بقلم : محمد الجلواح *
** ( فلانٌ أدْرَكـَـتـْـهُ حرفـةُ الأدب ) .
تـَحـْضُـر هذه العبارة في جبين المقال التي تعددت المصادر في نسبة قائلها لتكون مفتاح الدخول للموضوع،ولو أن الراجح في ذلك هو الأديب العربي علي بن محمد بن رستم المشهور بـابن الساعاتي الخراساني الدمشقي (553 - 640هـ) .
فقد كان يـروم قائلها منها أن هناك من الأدباء من سعت إليه حرفة الأدب لجدارته وإبداعه وموهبته،وليس هو مَن سعى إليها .
وسواء أدرَكَـتـْك هذه الحرفة الماتعة،أم أنت أدركتـَها،أم أنكما أدركتما بعضا،فلاشك أن نتاجها،وحصادها سيكون ذا نكهة خاصة وطعما مختلفا،وله وقـْع مميز لدى صاحبها ..
ولعل هذا الشعور يشترك فيه كل من له صلة بالقلم والحرف والكلمة .
وليعذرني أحبتي القراء أن أجعل من نفسي مثلا أضربه لهم في ذلك،مع أنني وهذه الحرفة .. لم ندرك بعضنا .. لكن أحسب أنني أصبت بشيء من شذراتها البيضاء .
فلقد كنت أتقاضى راتبا شهريا يدخل في خانة عشرات الآلاف من الريالات السعودية،من خلال عملي الأساس في شركة الاتصالات السعودية قبل التقاعد،وكنت أصرفها بسرعة في شؤون الحياة والأسرة والسفر وغير ذلك،ولا أذكر ذلك ـ بالطبع ـ مباهاة،فكم أمقت هذه الكلمة وفعلها،ولا أتفوه حتى بحروفها،لكن أردت أن أقول إنه رغم اقتنائي هذا المبلغ الشهري الذي قد يبدو كبيرا للبعض،ومبعثا للسرور .. إلا أني لم أكن أشعر بأي فرح أو بهجة منه طيلة فترة عملي البالغة خمسة وعشرين عاما،وحتى بعد التقاعد،ولكـُم أن تتصوروا ذلك !
وفي المقابل كنت ـ والله ـ أشعر بفرحة غامرة لا يسعها التعبير حينما كانت تصلني المكافآت
(يسيرة القدْر جدا) من نشر المقالات والقصائد والمشاركات الصحفية في المطبوعات السعودية والخليجية المختلفة،وبين بينها مكافأة المقال الشهري لتلك المطبوعة السعودية التي كنت أكتب فيها أعواما عديدة،والتي كانت لا تتجاوز (خمسمائة ريال سعودي) فقط ،ولك أن تقارن عشرات الآلاف .. بالخمسمائة ريال !
فحينما كانت تصل قطعة الـ 500 ريال ..أو يصل صكها (الشيك) تضُجّ ـ والله ـ كل جوارحي فرحا وسرورا،وكأنني أقبض هذا المبلغ للمرة الأولى في حياتي،ويستمر هذا الشعور نفسه بقوته وصورته في كل مرة،فأحضنها،وأقـَـبـّـلها،وأشـُـمّـها بعمق طويل وعينين مغمضتين،تماما كما يصنع من يشم وردة ندية،وأحاذر أن أصرفها (هي نفسها) قبل مضي أسبوعين من هطولها،وحتى حين أنوي صرفها .. إنما يكون ذلك إما في شراء كتاب جديد،أو أمر ثقافي أخر صرف .
وأعلل ذلك بأن المبلغ الذي يأتي من النشر إنما يأتي من نتاج هواية داخلية بحتة محضة،سعيت لتحقيقها وممارستها،ولهذا يبرز الشعور لديك بحلاوة قطافها،بخلاف الراتب الذي هو(مصدر رزقك) لكنه ليس بالضرورة أن يكون مطابقا لهوايتك،فأنت مجبور على القيام به لتعيش،وتعيش أسرتك معك،ولهذا تجد أغلب الكـُـتـّـاب والشعراء والأدباء العرب يعيشون على الكفاف ـ راضين بوضعهم المادي الضعيف ـ في الوقت الذي تتم بعثرة الأموال الكثيرة هنا وهناك في غير محلها ،
ولا أريد أن أختم المقال بذكر الألم والتشاؤم،لذا من الإنصاف أن نذكر أيضا أن مقابل ذلك نجد الجوائز العديدة والكثيرة طوال العام في أرجاء الوطن العربي والعالـَـم،ذات القيمة المادية المـُجْـزية من لدن بعض رجال الأعمال العرب التي حصدها الشعراء والمبدعون والفنانون وغيرهم في المسابقات والمهرجانات المتعددة،ويكون لها ما تحمله من مبالغ مادية (دسمة) .. نفس القدر من الفرحة والسعادة في نفوس حائزيها،تماما كما هو حاصل مع مبلغ الـ500 ريال،ولله الحمد من قبل ومن بعد ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شاعر وكاتب سعودي من الأحساء ، عضو مجلس إدارة نادي الأحساء الأدبي ، والمدير الإداري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق